على بُعد أيام معدودة من حلول الموعد النهائي للالتزام الكامل بأحكام المرسوم بقانون اتحادي رقم (11) لسنة 2024 في شأن الحدّ من آثار تغيّر المناخ، تجد المنشآت العاملة في دولة الإمارات العربية المتحدة – بما فيها تلك القائمة في المناطق الحرة – نفسها أمام استحقاق تشريعي بيئي غير مسبوق. فقد صدر هذا المرسوم بتاريخ 28 أغسطس 2024 ودخل حيّز النفاذ في 30 مايو 2025، على أن يكون 30 مايو 2026 هو الموعد النهائي للتوافق الكامل مع التزاماته الجوهرية، لا سيما تلك المتعلقة بقياس انبعاثات غازات الاحتباس الحراري والإفصاح عنها ووضع خطط للحدّ منها.
نطاق التطبيق: من المخاطَب بأحكام القانون؟
يتميّز المرسوم بقانون اتحادي رقم 11 لسنة 2024 بأنه ذو نطاق تطبيقي واسع. فالمادة الثانية منه تمدّ سريانه ليشمل جميع المنشآت العاملة على الأراضي الإماراتية، بصرف النظر عن طبيعة نشاطها أو حجمها أو شكلها القانوني، وتُدرج صراحةً المنشآت القائمة في المناطق الحرة ضمن الجهات المخاطَبة بأحكامه. ويُعدّ ذلك تحوّلاً تشريعياً مهمّاً، إذ كانت كثير من الالتزامات البيئية في السابق تنحصر بالمنشآت الصناعية الكبرى أو القطاعات الكثيفة الانبعاثات، أمّا اليوم فإن المؤسسات التجارية والخدمية والمالية والمكاتب المهنية – بما فيها مكاتب المحاماة والاستشارات – تخضع لمنظومة الإفصاح والقياس ذاتها.
الالتزامات الجوهرية: قياسٌ وإفصاحٌ وخطط خفض
يفرض المرسوم على المنشآت ثلاثة التزامات رئيسية مترابطة. أولها قياس انبعاثات غازات الاحتباس الحراري وفقاً للمعايير المعتمدة من الجهات المختصّة، سواء كانت انبعاثات مباشرة (النطاق الأول Scope 1) ناتجة عن أنشطة المنشأة مباشرةً كحرق الوقود في المنشآت أو في مركباتها، أو انبعاثات غير مباشرة (النطاق الثاني Scope 2) ناتجة عن استهلاك الطاقة المُشتراة كالكهرباء والتبريد. وثانيها الإفصاح الدوري عن هذه الانبعاثات أمام الجهة المختصّة وفق الجداول الزمنية والنماذج المعتمدة بموجب اللوائح التنفيذية. وثالثها إعداد خطط واضحة وقابلة للقياس للحدّ من الانبعاثات وتنفيذها، تتضمّن إجراءات التخفيف القائمة والمستقبلية، وآليات التحقّق من تحقيق المستهدفات.
وتُلفت الإحاطة العمليّة إلى أن المنشآت التي تتجاوز انبعاثاتها المجمَّعة من النطاقَين الأول والثاني نصف مليون طنّ من مكافئ ثاني أكسيد الكربون سنوياً تخضع لمتطلّبات إفصاح فوريّة، فيما يُتوقَّع أن يصبح الإفصاح عن النطاق الثالث Scope 3 – أي الانبعاثات غير المباشرة عبر سلسلة القيمة – إلزامياً اعتباراً من عام 2027 وفق ما أشارت إليه القراءات الفقهية للنصّ والإرشادات الصادرة عن الجهات المعنيّة، وإن كان ذلك لم يُكرَّس بعد بنصّ تشريعي قاطع.
الجزاءات: عقوبات إدارية ومالية رادعة
أرسى المرسوم منظومة جزائية مزدوجة تجمع بين الغرامات المالية والتدابير الإدارية. فعلى الصعيد المالي، تتراوح الغرامات بين خمسين ألف درهم (50,000 درهم) وحدّ أقصى يبلغ مليونَي درهم (2,000,000 درهم) عن المخالفة الواحدة، وتُضاعَف هذه الغرامات في حال تكرار المخالفة خلال سنتَين من ضبط المخالفة الأولى لتصل إلى أربعة ملايين درهم (4,000,000 درهم). أما على الصعيد الإداري، فقد أتاح المشرّع للجهات المختصّة فرض جزاءات إضافية تشمل تقييد النشاط، ووقف الترخيص، وإلزام المنشأة بتنفيذ تدابير تصحيحية بيئية على نفقتها الخاصة، وذلك بحسب جسامة المخالفة وتكرارها.
توصيات عمليّة قبل 30 مايو 2026
في ضوء قِصَر المهلة المتبقّية، نرى أن على المنشآت المبادرة فوراً إلى اتخاذ خطوات عملية محدّدة. أولاً: إجراء تقييم أوّلي لمسؤوليتها بموجب المرسوم وتحديد ما إذا كانت من المنشآت ذات الانبعاثات المرتفعة. ثانياً: استحداث جردٍ داخلي لانبعاثات النطاقَين الأول والثاني، مدعوم ببيانات استهلاك الطاقة والوقود والمَركبات. ثالثاً: تعيين منسّق امتثال بيئي داخل الهيكل المؤسّسي يتولّى مسؤولية الإفصاح والمتابعة. رابعاً: مراجعة العقود التجارية القائمة لاستيعاب التزامات الاستدامة والإفصاح ضمن اشتراطات الموردين والمقاولين. وأخيراً: توثيق خطّة الحدّ من الانبعاثات بمستهدفات سنوية واضحة، تكون قابلة للتحقّق من قِبَل المدقّقين والجهات الرقابية.
إن المرسوم بقانون اتحادي رقم 11 لسنة 2024 ليس نصاً بيئياً منفصلاً، بل هو حجر زاوية في منظومة تشريعية أوسع تشمل الالتزامات الإفصاحية للحوكمة البيئية والاجتماعية والمؤسسية (ESG) والمُتطلّبات المحاسبية ذات الصلة. ومكتب محمد العزعزي للمحاماة والاستشارات القانونية يضع خبرته في خدمة المنشآت التي تسعى لمواءمة عملياتها مع هذا الإطار التشريعي الحديث، عبر تقييمات الامتثال، ومراجعة العقود، وتمثيل الموكّلين أمام الجهات الرقابية في حال نشوء أي نزاع أو مخالفة.

