الإصلاح الشامل لقانون الشركات التجارية: قراءة في المرسوم بقانون اتحادي رقم 20 لسنة 2025 وأثره على الحوكمة والاستثمار

في خطوة تشريعية لافتة تعكس توجّه دولة الإمارات العربية المتحدة نحو تعزيز جاذبيتها بوصفها مركزاً عالمياً للأعمال والاستثمار، أصدر صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، المرسوم بقانون اتحادي رقم (20) لسنة 2025 بتعديل بعض أحكام المرسوم بقانون اتحادي رقم (32) لسنة 2021 في شأن الشركات التجارية. ونُشر التعديل في الجريدة الرسمية للاتحاد (العدد 809 – ملحق) بتاريخ 14 أكتوبر 2025، ودخل حيّز النفاذ اعتباراً من 15 أكتوبر 2025، في حين تُطبَّق بعض أحكامه الإجرائية ضمن المرحلة الانتقالية الممتدة إلى مطلع عام 2026.

يُمثّل هذا التعديل أهمّ إصلاح يطرأ على قانون الشركات الإماراتي منذ صدور القانون الأصلي عام 2021، إذ يُدخل أدوات حوكمة وتمويل واستثمار جديدة طالما كانت حكراً على الأنظمة القانونية في المراكز المالية الحرّة كمركز دبي المالي العالمي (DIFC) وسوق أبوظبي العالمي (ADGM). وفيما يلي قراءة قانونية موجّهة للشركات والمستشارين القانونيين في أبرز ما جاء به التعديل.

أولاً: تعدّد فئات الأسهم في الشركات ذات المسؤولية المحدودة (المادة 76)

يُعدّ السماح للشركات ذات المسؤولية المحدودة بإصدار فئات متعددة من الحصص ذات حقوق متفاوتة من أبرز ما جاء به التعديل. فقد كانت القاعدة السابقة تفرض المساواة المطلقة بين الحصص في التصويت والأرباح، مما أعاق هياكل الاستثمار الجريء (Venture Capital) واتفاقيات المساهمين المتقدّمة. أما اليوم، فيجوز للشركة إصدار فئات حصص تختلف في حقوق التصويت، أو في أولوية توزيع الأرباح، أو في أولوية التصفية، أو في حق الاسترداد، شريطة تسجيل هذه الفئات لدى الجهة المختصة لضمان الشفافية.

ثانياً: الاعتراف بالشركات غير الهادفة للربح (المادة 8)

للمرّة الأولى في تاريخ التشريع الإماراتي للشركات، تَضمَّن القانون اعترافاً صريحاً بـالشركات غير الهادفة للربح التي تسعى لتحقيق أغراض اجتماعية أو خيرية أو ثقافية أو تنموية. ويُحظر على هذه الشركات توزيع أرباح على الشركاء أو المساهمين، إذ يُعاد استثمار أي فائض في تحقيق أغراضها. ويُتوقّع صدور قرار من مجلس الوزراء يُنظّم تأسيس هذه الشركات وحوكمتها وضوابط الإشراف عليها، وهو ما يفتح أبواباً جديدة أمام مؤسسات المجتمع المدني والمبادرات ذات الأثر الاجتماعي.

ثالثاً: حقوق السحب (Drag-Along) والمشاركة (Tag-Along)

أقرّ المشرّع لأوّل مرّة وبنصٍّ صريح حقّ السحب الذي يمنح الأغلبية صلاحية إجبار الأقلية على بيع حصصها ضمن صفقة خروج جماعية بذات الشروط، وحقّ المشاركة الذي يكفل للأقلية حقّ البيع جنباً إلى جنب مع الأغلبية بالشروط ذاتها. ويُتيح القانون إدراج هذين الحقّين في عقد التأسيس أو النظام الأساسي للشركات ذات المسؤولية المحدودة والشركات المساهمة الخاصة، مما يُوفّر بيئة أكثر مرونة لصفقات الاندماج والاستحواذ ويُخفّف من جمود الهياكل التقليدية.

رابعاً: نقل المقرّ القانوني (Re-domiciliation) – المادة 15

يُجيز التعديل للشركات نقل تسجيلها القانوني والترخيصي بين الإمارات السبع، أو بين المنطقة الحرّة والبرّ الرئيسي والعكس، أو بين المناطق الحرّة بعضها بعضاً، مع الاحتفاظ بذات الشخصية الاعتبارية والسجلّ التاريخي للشركة وعقودها القائمة. ويُشترط لذلك موافقة الشركاء والجهات المرخّصة المختصّة. وتُعدّ هذه الأداة إنجازاً تشريعياً يُعفي الشركات من أعباء التصفية وإعادة التأسيس، ويتيح لها مواءمة مقرّها مع متطلّبات السوق أو توقّعات المستثمرين.

خامساً: انتقال الحصص بسبب الوفاة (المادة 14) والطرح الخاص (المادة 32)

وضّحت المادة (14) آليّة انتقال الحصص بسبب وفاة أحد الشركاء وفق سعر متّفق عليه، مع منح الشركة أو الشركاء الحاليين حقّ الأولوية في تملّك حصص المتوفّى، بما يحفظ استقرار الشركة ويمنع دخول الورثة قسراً في الإدارة. كما أتاحت المادة (32) للشركات المساهمة الخاصة طرح أسهمها وأوراقها المالية عبر الطرح الخاص في الأسواق المالية بالدولة وفق ضوابط هيئة سوق المال، مما يفتح قنوات تمويلية جديدة دون الحاجة إلى الطرح العام.

سادساً: الاعتراف بشركات المناطق الحرّة (المادة 13) والمساهمات العينيّة (المادة 78)

كرّس التعديل الاعتراف بـشركات المناطق الحرّة بوصفها شركات إماراتية، مما يُزيل الغموض حول الهياكل متعدّدة الولايات القضائية ويُيسّر التعاملات العابرة بين البرّ الرئيسي والمناطق الحرّة. كما أجازت المادة (78) للشركاء في الشركات ذات المسؤولية المحدودة تقديم حصص عينيّة مقابل حصصهم، على أن يتمّ تقييمها بواسطة مُقيِّم معتمد أو وفق ما يتّفق عليه الشركاء، مع اعتماد القيمة من الجهة المختصّة.

التوصيات العمليّة للشركات والمستشارين

يُوصى بأن تُبادر الشركات القائمة إلى مراجعة عقودها التأسيسيّة وأنظمتها الأساسيّة للاستفادة من الأدوات الجديدة، لا سيّما فئات الحصص المتعدّدة وحقوق السحب والمشاركة، وأن تعمل المؤسّسات ذات الأغراض غير الربحيّة على دراسة إعادة هيكلتها وفق الإطار الجديد فور صدور القرار التنفيذي. كما يتعيّن على المستشارين القانونيّين تحديث نماذج اتفاقيّات المساهمين ومستندات صفقات الاستحواذ بما يتواءم مع المنظومة المُعدّلة.

يُقدّم مكتب محمد العزعزي للمحاماة والاستشارات القانونيّة استشارات متخصّصة في تطبيق المرسوم بقانون اتحادي رقم 20 لسنة 2025 على الشركات القائمة والمشاريع الجديدة، بما يشمل إعادة هيكلة رأس المال وصياغة اتفاقيّات المساهمين وفق أحكام التعديل.

اكتشاف المزيد من Mohamed Alazazi Advocates & Legal Consultants

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة