تدخل دولة الإمارات العربية المتحدة مرحلة جديدة في تحديث منظومتها الضريبية والمالية مع اقتراب إطلاق نظام الفوترة الإلكترونية الإلزامي (Electronic Invoicing System – EIS). فبعد سلسلة من الإصلاحات التشريعية المتعاقبة، باتت المرحلة التجريبية الطوعية على الأبواب اعتباراً من الأول من يوليو 2026، تمهيداً للإلزام التدريجي خلال عامي 2026 و2027. وتمثّل هذه الخطوة تحولاً جوهرياً في الطريقة التي تُصدر بها الشركات فواتيرها وتتبادلها مع شركائها التجاريين والجهات الحكومية، بما يستوجب من المنشآت كافة الاستعداد المبكر لتفادي المخالفات والغرامات.
الإطار التشريعي المنظّم للفوترة الإلكترونية
يستند نظام الفوترة الإلكترونية إلى منظومة تشريعية متكاملة، أرسى أساسها المرسوم بقانون اتحادي رقم 16 لسنة 2024 المعدِّل لقانون ضريبة القيمة المضافة، والذي أضفى الاعتراف القانوني على الفاتورة الإلكترونية والإشعار الدائن الإلكتروني بوصفهما مستندات رقمية ذات حجية. وقد استكملت وزارة المالية هذا الإطار بإصدار القرار الوزاري رقم 243 لسنة 2025 الذي أنشأ نظام الفوترة الإلكترونية وحدّد ضوابطه، والقرار الوزاري رقم 244 لسنة 2025 الذي بيّن الجدول الزمني للتطبيق ونطاق الخاضعين له. أما قرار مجلس الوزراء رقم 106 لسنة 2025 فقد وضع منظومة الغرامات الإدارية المترتبة على مخالفة أحكام النظام، بما يكتمل به الإطار القانوني الحاكم لهذه المرحلة.
الجدول الزمني للتطبيق التدريجي
اعتمد المشرّع نهجاً تدريجياً في فرض الالتزام، مراعاةً لاختلاف أحجام المنشآت وقدرتها على التكيّف. وتبدأ المرحلة التجريبية الطوعية في الأول من يوليو 2026، حيث يجوز لأي خاضع للضريبة الانضمام اختيارياً إلى النظام بصرف النظر عن حجم إيراداته. وتنتقل المنظومة بعدها إلى الإلزام وفق المراحل التالية:
- المرحلة الأولى (كبرى الشركات): تلتزم المنشآت التي يبلغ إجمالي إيراداتها 50 مليون درهم فأكثر بتعيين مزوّد خدمة معتمد (ASP) في موعد أقصاه 31 أكتوبر 2026، على أن تبدأ الإصدار الفعلي للفواتير الإلكترونية اعتباراً من الأول من يناير 2027.
- المرحلة الثانية (سائر المنشآت): تلتزم الشركات التي تقل إيراداتها عن 50 مليون درهم بتعيين مزوّد الخدمة المعتمد بحلول 31 مارس 2027، والبدء الفعلي في الأول من يوليو 2027.
- المرحلة الثالثة (الجهات الحكومية): تلتزم الجهات الحكومية بتعيين مزوّد الخدمة بحلول 31 مارس 2027، على أن يبدأ تطبيقها الفعلي اعتباراً من الأول من أكتوبر 2027.
نطاق التطبيق والمتطلبات التقنية
يستهدف النظام في مرحلته الأولى معاملات الأعمال فيما بين الشركات (B2B) ومعاملات الأعمال مع الجهات الحكومية (B2G)، سواءً كانت المنشأة مسجّلة لأغراض ضريبة القيمة المضافة أم غير مسجّلة. أما معاملات الأعمال مع المستهلك النهائي (B2C) فلا تزال خارج نطاق الإلزام في الوقت الراهن إلى حين صدور قرار لاحق بشأنها. ويقوم النظام على نموذج «الخمس زوايا» (Five-Corner Model) المعتمد على شبكة «بيبول» (Peppol) ومواصفة PINT-AE، حيث يتعيّن إصدار الفاتورة في صيغة بيانات مهيكلة (XML) وتبادلها عبر مزوّد خدمة معتمد من الهيئة الاتحادية للضرائب، مع إرسال نسخة منها إلى المنصة المركزية للهيئة بصورة فورية. ولا يُعدّ ملف PDF أو الفاتورة الورقية الممسوحة ضوئياً فاتورة إلكترونية بالمعنى القانوني الذي يقصده النظام.
الغرامات المترتبة على عدم الامتثال
بموجب قرار مجلس الوزراء رقم 106 لسنة 2025، تتعرّض المنشآت التي تتخلّف عن تطبيق نظام الفوترة الإلكترونية أو عن تعيين مزوّد خدمة معتمد ضمن المواعيد المقررة لغرامات إدارية متكررة. ومن ثمّ فإن التأخر في الاستعداد لا يقتصر أثره على المخاطر التشغيلية، بل يمتدّ إلى تبعات مالية مباشرة قد تتراكم شهرياً. ويُنصح بأن تبادر الإدارات المالية والقانونية في الشركات إلى تقييم جاهزية أنظمتها المحاسبية ومدى توافقها مع المواصفات التقنية المطلوبة في وقت مبكر.
خطوات الاستعداد العملي
يقتضي الاستعداد السليم لهذه المرحلة أن تبدأ المنشآت بمراجعة بياناتها الرئيسية وتدقيق سجلات عملائها ومورّديها، واختيار مزوّد خدمة معتمد، وتحديث أنظمة تخطيط الموارد المؤسسية (ERP) بما يتوافق مع مواصفة PINT-AE، وتدريب الكوادر المعنية. وفي ضوء قِصر المهلة الزمنية الفاصلة عن انطلاق المرحلة التجريبية، فإن المبادرة المبكرة هي خط الدفاع الأول لضمان الامتثال وتفادي الغرامات. ويسعد مكتب محمد العزعزي للمحاماة والاستشارات القانونية بتقديم المشورة للشركات بشأن الجوانب القانونية والتعاقدية المرتبطة باعتماد نظام الفوترة الإلكترونية.
إخلاء مسؤولية: أُعدّ هذا المقال لأغراض العلم العام ولا يُعدّ استشارة قانونية. ولأي حالة محددة يُرجى التواصل مع مستشار قانوني مختص.

اترك رد