مع دخول المرسوم بقانون اتحادي رقم (25) لسنة 2025 بإصدار قانون المعاملات المدنية حيّز التنفيذ في الأول من يونيو 2026، لم يقتصر المشرّع الإماراتي على تحديث القواعد العامة للعقود، بل أرسى لأول مرة منظومةً متكاملة تحكم سلوك الأطراف في مرحلة ما قبل التعاقد. فبينما كان قانون المعاملات المدنية الصادر بالقانون الاتحادي رقم (5) لسنة 1985 يركّز على العقد بعد انعقاده، يتدخّل القانون الجديد في وقتٍ أبكر — أي عند طاولة التفاوض ذاتها — ليفرض على المتفاوضين واجبات حسن النية والإفصاح. وهذا التحوّل يحمل آثاراً عملية مباشرة لكل شركة أو فرد يدخل في مفاوضات تجارية أو استثمارية في الدولة.
حسن النية بوصفه التزاماً في كل مراحل التفاوض
تنص المادة (121) من القانون الجديد على أن جميع مراحل التفاوض — من بدئه وإدارته وحتى إنهائه — يجب أن تجري وفقاً لمقتضيات حسن النية. وبذلك يصبح قطع المفاوضات على نحوٍ تعسّفي أو بسوء نية مصدراً محتملاً للمسؤولية عن التعويض، حتى وإن لم يُبرَم العقد في نهاية المطاف. فالطرف الذي يدخل في مفاوضات جدّية ثم يتراجع عنها دون مبرر مشروع، أو يستخدمها غطاءً للحصول على أسرار الطرف الآخر، قد يجد نفسه مسؤولاً عن الأضرار التي لحقت بمن وثق في جدّية المفاوضات. وهذا المبدأ، المألوف في كثير من النظم اللاتينية، يُقنَّن الآن صراحةً في الإمارات بعد أن كان مستنداً إلى قواعد عامة متناثرة.
واجب الإفصاح عن المعلومات الجوهرية
تذهب المادة (122) إلى أبعد من ذلك، إذ تفرض على كلا الطرفين التزاماً إيجابياً بالإفصاح عن المعلومات الجوهرية والحاسمة المتصلة بالعقد. وتُعدّ المعلومة جوهرية وحاسمة متى كانت متعلّقة بصورة مباشرة وضرورية بموضوع العقد أو بصفات أحد المتعاقدين. والأهمّ من ذلك أن هذا الالتزام لا يجوز الاتفاق على استبعاده أو الحدّ منه؛ فأي شرط تعاقدي يسعى إلى إعفاء طرفٍ من واجب الإفصاح يقع باطلاً، ويبقى للطرف المتضرّر الحق في طلب إبطال العقد إذا ثبت أن الطرف الآخر تعمّد إخفاء معلومة كان من شأنها التأثير في إرادته أو في صحّة العقد.
هذا التوجّه يعكس فلسفةً تشريعية واضحة: نقل لحظة تدخّل القانون من مرحلة النزاع اللاحق على تنفيذ العقد إلى مرحلة تكوينه. فبدلاً من الاكتفاء بمعالجة عيوب الرضا — كالغلط والتدليس — بعد وقوع الضرر، يضع القانون الجديد عبئاً وقائياً على الأطراف يلزمهم بالشفافية منذ اللحظة الأولى. وهو ما ينسجم مع ما كرّسته المواد (119) إلى (122) من تأكيدٍ على تفسير العقود بما يحقّق العدالة وحسن النية بين المتعاقدين.
الأثر العملي على الشركات والمستشارين
على الصعيد العملي، ينبغي للشركات أن تعيد النظر في الطريقة التي تدير بها مفاوضاتها التجارية. فمن المستحسن توثيق مراحل التفاوض، وتحديد ما يُعدّ معلومةً جوهرية في كل صفقة، والإفصاح عنها كتابةً، والاحتفاظ بسجلٍّ يثبت الالتزام بحسن النية. كما يُنصح بمراجعة نماذج «خطابات النوايا» و«مذكّرات التفاهم» وبنود السرّية، والتأكّد من أنها لا تتضمّن شروطاً تسعى إلى استبعاد واجب الإفصاح — لأن مثل هذه الشروط لم تعد منتجة لأثرها بعد الأول من يونيو 2026.
إن إدراج واجبات حسن النية والإفصاح في صلب القانون يمثّل نقلةً نوعية في بيئة التعاقد بدولة الإمارات، ويعزّز الثقة والشفافية في المعاملات. ومع أن القانون الجديد لا يسري — كقاعدة عامة — على العلاقات والتصرّفات التي اكتملت قبل تاريخ نفاذه، فإن كل مفاوضة جديدة تبدأ اعتباراً من يونيو 2026 تخضع لهذه الأحكام. ومن ثَمّ، فإن الاستعداد المبكر والمشورة القانونية المتخصّصة في صياغة وثائق التفاوض باتا ضرورةً لا رفاهية.
يقدّم مكتب محمد العزعزي للمحاماة والاستشارات القانونية هذا المقال لأغراض المعرفة العامة فحسب، ولا يُعدّ مشورةً قانونية بشأن واقعة بعينها. وللحصول على استشارة تتعلّق بحالتكم تحديداً، يُرجى التواصل مع فريق المكتب.

اترك رد