مع مرور نحو أربعة أشهر على بدء العمل بالقرار الوزاري رقم (340) لسنة 2026 في شأن نظام حماية الأجور، الصادر عن وزارة الموارد البشرية والتوطين بتاريخ 12 مايو 2026 والساري من 1 يونيو 2026، بدأت آثاره العملية تتكشّف على أرض الواقع. فالقرار — الذي يقع في ثماني مواد وملحق واحد ويُلغي القرار الوزاري رقم (598) لسنة 2022 بالكامل — لا يكتفي بتعديل مواعيد الصرف، بل يعيد بناء منطق الرقابة ذاته: موعد موحّد لا يقبل التأجيل، وعتبة امتثال أعلى، وتدرّج في الإنفاذ يبدأ من اليوم الثاني للتأخير لا من اليوم السادس عشر. وهو تحوّل يستوجب من منشآت القطاع الخاص مراجعة دورة الرواتب وسياسات الاستقطاع والتوثيق المصاحب لها.
موعد موحّد: أول يوم من كل شهر ميلادي
حدّدت المادة (1) من القرار أول يوم من كل شهر ميلادي موعداً موحّداً لاستحقاق أجور العاملين عن الشهر الميلادي المنقضي، ويُعدّ أي صرف لاحق لهذا التاريخ تأخيراً تبدأ معه الإجراءات المتدرّجة المنصوص عليها في ملحق القرار. وكان الإطار السابق في ظل القرار رقم (598) لسنة 2022 يتيح مرونة أوسع في جدولة دورات الصرف، ولا يفعّل الرقابة إلا بعد انقضاء مهلة سماح مدتها خمسة عشر يوماً. هذه المهلة أُلغيت تماماً.
والنتيجة العملية أن على المنشأة إتمام معالجة الرواتب وتحويلها عبر الوكيل المعتمد قبل انتهاء آخر يوم من الشهر السابق، إذ لا يكفي إرسال ملف معلومات الرواتب في اليوم الأخير وتمويله في التاريخ نفسه. أما المنشآت التي كانت تصرف الأجور في منتصف الشهر اللاحق — وهي ممارسة شائعة في قطاعات المقاولات والخدمات — فهي الأكثر تأثراً، ويتعيّن عليها إعادة ضبط تقويم إغلاق الرواتب الداخلي بما يترك هامشاً كافياً لتصحيح أي ملفات مرفوضة قبل أول الشهر. ونفهم أن الصرف المبكّر، كأن تُدفع الأجور في آخر الشهر قبل استحقاقها، يُعتدّ به امتثالاً داخل النظام.
عتبة 85%: سقف فعلي للاستقطاعات قدره 15%
رفعت المادة (2) عتبة الامتثال على مستوى المنشأة، فتُعدّ المنشأة ممتثلة لالتزامها بصرف الأجور إذا حوّلت في موعد الاستحقاق ما لا يقل عن 85% من إجمالي الأجور المستحقة لعمالها، بعد أن كانت العتبة 80% في القرار الملغى. غير أن الشطر الثاني من القاعدة هو الأبعد أثراً: فالعامل لا يُعدّ غير مدفوع الأجر إذا تقاضى ما لا يقل عن 85% من قيمة أجره المستحق، بشرط أن يكون النقص ناشئاً عن استقطاعات أو حجوزات مشروعة وفقاً للمادة (25) من المرسوم بقانون اتحادي رقم (33) لسنة 2021 في شأن تنظيم علاقات العمل.
وهنا يبرز أثر غير مباشر لكنه بالغ الأهمية: فقانون تنظيم علاقات العمل يجيز الاستقطاع في حدود 20% من الأجر في حالات محدّدة، وقد يصل إلى نصف الأجر عند تعدّد أسباب الاستقطاع. أما القرار رقم (340) فلا يُعدّل هذه الإجازة الموضوعية، لكنه يغيّر طريقة قياس الامتثال: فإذا هبط ما يتقاضاه العامل فعلياً عن 85% من أجره في أي دورة صرف، عُدّت المنشأة غير ممتثلة بشأنه ولو كان الاستقطاع مشروعاً في ذاته. وبذلك يصبح السقف العملي للاستقطاع 15% من الأجر الشهري لأغراض الامتثال لنظام حماية الأجور، ويصبح توثيق كل استقطاع بسنده القانوني — عقد قرض مكتوب، أو حكم أو أمر قضائي، أو إقرار موقّع بالسلفة، أو قيد إجازة بدون أجر — شرطاً لازماً، إذ يُعامل الاستقطاع غير الموثّق كامتناع عن الصرف لا كحجز مشروع.
أبرز ما جاء به القرار الوزاري رقم (340) لسنة 2026
- صدر القرار بتاريخ 12 مايو 2026 وسرى اعتباراً من 1 يونيو 2026، وألغى القرار الوزاري رقم (598) لسنة 2022 بالكامل.
- المادة (1): أول يوم من كل شهر ميلادي موعد موحّد لاستحقاق الأجور عن الشهر المنقضي، دون مهلة سماح.
- المادة (2): عتبة الامتثال 85% من إجمالي الأجور على مستوى المنشأة، و85% من الأجر على مستوى العامل الواحد، بما يعني سقفاً فعلياً للاستقطاع قدره 15% وفق المادة (25) من المرسوم بقانون رقم (33) لسنة 2021.
- الملحق (1): تدرّج في الإنفاذ من اليوم الثاني (الإخطارات) إلى اليوم الحادي والعشرين (الحجز التحفظي ومنع السفر والإحالة إلى النيابة العامة).
- المادة (4): إحدى عشرة فئة مستثناة من نطاق النظام، وقد أُلغيت منها مهلة الثلاثين يوماً التي كانت مقرّرة للعاملين الجدد.
- المادة (5): يجوز تفويض الغير بصرف الأجور، وتبقى المنشأة مسؤولة كاملاً عن الصرف في مواعيده.
تدرّج الإنفاذ: من الإخطار في اليوم الثاني إلى النيابة العامة في اليوم الحادي والعشرين
رسم ملحق القرار جدولاً زمنياً للإجراءات يبدأ بالرقابة الإلكترونية في تاريخ الاستحقاق ذاته. ومن اليوم الثاني تُوجَّه الإخطارات والتنبيهات إلى المنشأة غير الممتثلة حتى يثبت الصرف. وفي اليوم الخامس يُوقف إصدار تصاريح العمل الجديدة ويُوجَّه إنذار كتابي إلى المالك. وفي اليوم الحادي عشر تُفرض الغرامة الإدارية المقرّرة بقرار مجلس الوزراء رقم (21) لسنة 2020، مع إعادة تصنيف المنشأة في الفئة الثالثة وفقاً للقرار الوزاري رقم (209) لسنة 2022، وذلك في حالة تكرار المخالفة خلال ستة أشهر — أي أن التأخير الأول لا يستوجب الغرامة في هذه المرحلة.
وفي اليوم السادس عشر تُسجَّل منازعة عمالية فردية أو جماعية تلقائياً ويُوسَّع نطاق إيقاف التصاريح، وذلك بشأن المنشآت التي يعمل بها خمسة وعشرون عاملاً أو أكثر. وفي اليوم الحادي والعشرين تتخذ إجراءات أشد: إصدار سند تنفيذي لصرف الأجور في المنشآت التي يقل عدد عمالها عن خمسين، أو تسجيل منازعة عمالية جماعية إذا بلغ العدد خمسين أو أكثر، إلى جانب اتخاذ إجراءات الحجز التحفظي، وفرض منع السفر على المسؤول، وإخطار النيابة العامة والجهات المختصة واتخاذ الإجراءات القانونية في حالات التكرار خلال شهرين متتاليين. ولا يخفى أن أثر إعادة التصنيف في الفئة الثالثة — من رفع رسوم الخدمات وتقييد حصص التصاريح — قد يتجاوز في وطئه الغرامة المالية ذاتها.
القطاعات المحدّدة ووحدة الملكية: الرقابة على مستوى المجموعة
خصّ الملحق قطاعات بعينها بمعالجة أشد، وهي: المقاولات، والنقل والتخزين، وخدمات الحماية والأمن، وخدمات النظافة، ومكاتب استقدام العمالة ومكاتب استقدام عمال الخدمة المساعدة. ففي هذه القطاعات تُحتسب عتبتا الخمسة والعشرين والخمسين عاملاً على مستوى المنشآت المجمّعة تحت وحدة الملكية، لا على مستوى المنشأة الواحدة منفردة. ومؤدّى ذلك أن مالكاً يسيطر على ثلاث شركات مقاولات لديه في كل منها عشرة عاملين لم تُصرف أجورهم، يبلغ مجموع المتأثرين ثلاثين عاملاً فتُفعَّل في مواجهته إجراءات اليوم السادس عشر، وإن لم تبلغ أي شركة بمفردها العتبة. وهو ما يفرض على أصحاب المجموعات في هذه القطاعات مراقبة الامتثال على مستوى المجموعة لا على مستوى الكيان.
التفويض والاستثناءات: نقل للتنفيذ لا للمسؤولية
أجازت المادة (5) للمنشأة تفويض الغير بصرف أجور عمالها، بشرط تزويد الوزارة ببيانات المفوَّض وصورة من التفويض أو العقد موضّحاً به نطاق التفويض وحدود الالتزامات والمسؤوليات الناشئة عنه. إلا أن المنشأة تبقى مسؤولة مسؤولية كاملة عن صرف الأجور في مواعيدها، وتُتخذ جميع الإجراءات في مواجهتها هي لا في مواجهة المفوَّض إذا تخلّف عن السداد. فمسؤولية مقدّم خدمات الرواتب تظل عقدية تجاه المنشأة، لا تنظيمية تجاه الوزارة.
أما المادة (4) فقد حصرت إحدى عشرة فئة خارج نطاق النظام، منها العامل الذي أُحيلت مطالبته الأجرية إلى المحكمة المختصة أو صدر بشأنها سند تنفيذي، والعامل المبلّغ عن تركه العمل خلال مدة سريان البلاغ، والعامل الموقوفة حريته تنفيذاً لأمر أو حكم من جهة مختصة، والعامل في إجازة بدون أجر معتمدة، والبحّارة على السفن، والعاملون الأجانب لدى منشآت أجنبية أو فروعها في الدولة الذين يتلقّون أجورهم خارج الدولة بطلب من المنشأة وبموافقة العامل، وحاملو تصريح عمل مهمة لمدة لا تتجاوز ثلاثة أشهر، وقوارب الصيد وسيارات الأجرة العامة المملوكة لأفراد من مواطني الدولة، والبنوك والمؤسسات المالية، ودُور العبادة. وجدير بالتنبيه أن مهلة الثلاثين يوماً التي كان يتمتع بها العاملون الجدد لم تُدرج بين هذه الفئات، فكل عامل مستحدث يدخل في نطاق النظام من أول دورة صرف لعمله.
خلاصة عملية
يمثّل القرار رقم (340) لسنة 2026 أوسع تعديل لنظام حماية الأجور منذ استحدائه في عام 2009، وجوهره أن التأخير في صرف الأجور لم يبقَ مسألة إدارية تُسوّى بأثر رجعي، بل صار واقعة مرصودة إلكترونياً من يومها الأول وتتدرّج آثارها أسبوعاً بعد أسبوع. ويُنصح أصحاب العمل بإعادة ضبط إغلاق الرواتب إلى ما قبل الثامن والعشرين من كل شهر، ومراجعة جميع الاستقطاعات القائمة في ضوء سقف الـ15%، وتوثيق سندها القانوني كتابةً، وإلغاء أي مسار داخلي يؤجّل إدراج العاملين الجدد، والتحقق من صحة بيانات التفويض المودعة لدى الوزارة، وتوصيف وحدة الملكية بين كيانات المجموعة إن كان النشاط في أحد القطاعات المحدّدة.
يقدّم مكتب محمد العزعزي للمحاماة والاستشارات القانونية المشورة في مسائل قانون العمل والامتثال أمام وزارة الموارد البشرية والتوطين، بما في ذلك مراجعة سياسات الأجور والاستقطاعات وعقود العمل، وتمثيل المنشآت والعاملين في المنازعات العمالية أمام الوزارة والمحاكم المختصة. تواصلوا معنا لتقييم أثر القرار الوزاري رقم (340) لسنة 2026 على دورة الرواتب في منشأتكم.

