دخل في الأول من يناير 2026 حيز النفاذ المرسومان بقانون اتحاديان رقم (32) لسنة 2025 في شأن هيئة سوق المال، ورقم (33) لسنة 2025 في شأن تنظيم سوق المال، ليُحدثا تحوّلاً جوهرياً في البنية التشريعية والمؤسسية للأسواق المالية في دولة الإمارات العربية المتحدة. وقد جاء هذا التشريع ليلغي القانون الاتحادي رقم (4) لسنة 2000 في شأن هيئة الأوراق المالية والسلع، الذي ظلّ المرجعية القانونية الناظمة لهذا القطاع طوال خمسة وعشرين عاماً، ولينقل المنظومة التشريعية إلى مرحلة أكثر تطوراً ومواكبةً للممارسات الدولية الحديثة في تنظيم أسواق رأس المال.
أولاً: التحوّل المؤسسي – من “هيئة الأوراق المالية والسلع” إلى “هيئة سوق المال”
أنشأ المرسوم بقانون اتحادي رقم (32) لسنة 2025 هيئةً اتحاديةً عامةً مستقلة، تتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي والإداري، تحت مسمّى “هيئة سوق المال” (CMA). وقد آلت إلى الهيئة الجديدة جميع الحقوق والالتزامات والعقود التي كانت قائمة في ذمة هيئة الأوراق المالية والسلع (SCA)، وحُلّت محلّها في كل النصوص التشريعية القائمة. ولم يكن هذا الانتقال مجرد تغيير في التسمية، بل توسيعاً حقيقياً للولاية الرقابية، إذ منحت المادة (27) من المرسوم بقانون استمراريةً للقرارات واللوائح التنفيذية الصادرة قبل سريانه، شريطة عدم تعارضها مع أحكامه، بما يضمن استقرار البيئة التشريعية أثناء الفترة الانتقالية.
كما وضع المرسوم إطاراً واضحاً للحوكمة الداخلية للهيئة، شمل تشكيل مجلس الإدارة، وآليات تعيين الرئيس والمستشار، واشتراطات أمن المعلومات، ومتطلبات التدقيق الخارجي، فضلاً عن واجبات السرية المهنية المفروضة على أعضاء المجلس وموظفي الهيئة كافة. ومن أبرز أهداف الهيئة المنصوص عليها قانوناً: ضمان سلامة وكفاءة سوق المال، وتوفير بيئة استثمارية ملائمة، وحماية مصالح المستثمرين والمتعاملين، وترسيخ ممارسات سليمة وعادلة تخدم الاقتصاد الوطني.
ثانياً: الإطار الموضوعي الجديد بموجب المرسوم بقانون رقم (33) لسنة 2025
أرسى المرسوم بقانون اتحادي رقم (33) لسنة 2025 إطاراً تشريعياً جديداً لتنظيم سوق المال، تضمّن جملةً من المستحدثات الجديرة بالوقوف عندها. فقد وسّعت المادة (2) من المرسوم نطاق التطبيق ليشمل المنتجات والأنشطة المالية التي تُمارَس داخل الدولة، وكذلك تلك التي يقوم بها أيّ شخص في مناطق حرّة مالية أو غير مالية، أو يستهدف بها عملاء داخل الدولة حتى وإن كان النشاط يُمارَس من خارجها. وهو توسّع لافت في الاختصاص الجغرافي يعكس توجّهاً نحو إحكام الرقابة على الأنشطة العابرة للحدود.
ومن أبرز ما جاء به التشريع تكريسُ “البيئة الرقابية الاختبارية” (Regulatory Sandbox)، التي تتيح اختبار المنتجات والخدمات المالية المبتكرة في بيئة محكومة وتحت إشراف الهيئة، قبل إخضاعها لاشتراطات التراخيص الكاملة، بما يدعم قطاع التكنولوجيا المالية ويوازن بين الابتكار وحماية المستثمر. كما عالج المرسوم في المادة (37/2) موضوع “تثبيت الأسعار” (Price Stabilization)، فأقرّ ملاذاً آمناً للممارسات المشروعة المرتبطة به، ووضع حدّاً للالتباس الذي طالما أحاط بهذه العمليات وتعرّضها النظري للملاحقة بوصفها تلاعباً بالسوق. وفي السياق ذاته، أجازت المادة (33/2) للجهة المُصدِرة تأجيل الإفصاح عن المعلومات الجوهرية الداخلية في حالات محدّدة إذا كان من شأن الإفصاح الفوري إلحاق ضرر جسيم بمصالحها أو بمصالح مساهميها.
ثالثاً: التشديد العقابي وتوسيع الاختصاص الجزائي
شدّد المرسوم بقانون رقم (33) لسنة 2025 من العقوبات المقررة على المخالفات. فقد نصّت المادة (71) على أنّ كل من يمارس نشاطاً مالياً في الدولة دون الحصول على ترخيص أو موافقة أو تسجيل أو اعتماد من الهيئة يُعاقَب بالحبس مدةً لا تقل عن سنة وبغرامة قد تصل إلى مئتين وخمسين مليون درهم. ويعكس هذا التشديد توجّه المشرّع نحو ردع الأنشطة المالية غير المرخّصة، وحماية المتعاملين في السوق، ورفع كلفة المخالفة بشكل يتناسب مع حجم الضرر المحتمل في القطاع المالي.
رابعاً: الأثر العملي على المتعاملين في السوق
يفرض هذا التطور التشريعي على الشركات المُصدِرة للأوراق المالية، والوسطاء، ومديري الصناديق، والمستشارين الماليين، ومقدّمي خدمات الأصول الافتراضية، وكذلك المستثمرين، ضرورةَ مراجعة ترتيباتهم القانونية والتنظيمية في ضوء الإطار الجديد. وتشمل المراجعة الواجبة: إعادة تقييم نطاق التراخيص، ومدى انطباق الاختصاص الإقليمي الموسّع، وآليات الإفصاح، وسياسات الامتثال الداخلية، وعقود الاكتتاب والترتيبات مع وسطاء الأسواق، فضلاً عن تحديث وثائق الحوكمة المؤسسية بما يتسق مع المعايير المستحدثة.
يتولى مكتب محمد العزعزي للمحاماة والاستشارات القانونية تقديم الاستشارات للشركات والمستثمرين الراغبين في فهم انعكاسات هذا التحوّل التشريعي على مراكزهم القانونية وأنشطتهم في السوق المالي الإماراتي، ورسم خرائط امتثال متكاملة تواكب التطورات التنظيمية الجديدة.

اترك رد