Mohamed Alazazi Advocates & Legal Consultants

قانون المعاملات المدنية الجديد: ما يجب على الشركات والمستشارين معرفته قبل الأول من يونيو 2026

على بُعد أسابيع قليلة من دخول قانون المعاملات المدنية الجديد حيز التنفيذ في الأول من يونيو 2026، تستعد منظومة العقود في دولة الإمارات العربية المتحدة لأكبر تحوّل تشريعي مدني منذ عقود. فقد أصدر صاحب السمو رئيس الدولة المرسوم بقانون اتحادي رقم 25 لسنة 2025 بإصدار قانون المعاملات المدنية، ليحلّ محلّ القانون الاتحادي رقم 5 لسنة 1985، ويُعيد رسم الإطار العام للالتزامات والعقود بصياغة عصرية تستجيب لحركة التجارة وتعقّد المعاملات. وفي هذا المقال نستعرض أبرز ملامح هذا التحوّل، مع تركيز خاص على ما يهمّ المستشار القانوني والمتعاقد التجاري على حدٍّ سواء.

أولاً: تكريس مبدأ حسن النية ركيزةً للتفسير والتنفيذ

تُعدّ المواد من 119 إلى 122 من القانون الجديد من أهم المستجدّات، إذ أرسى المشرّع قواعد متكاملة لتفسير العقود، وكرّس مبدأ حسن النية باعتباره مبدأً جوهرياً يحكم مرحلتي التفاوض والتنفيذ. ولم يعد حسن النية مجرّد التزام أدبي يُستأنس به عند الحاجة، بل أصبح معياراً قانونياً قابلاً للتطبيق القضائي يُقاس به سلوك الأطراف منذ المفاوضات الأولى وحتى استيفاء الالتزامات. ويترتّب على ذلك التزام صريح بالإفصاح قبل التعاقد، بحيث يصبح كتمان معلومة جوهرية أو الإيهام بشأنها سبباً لقيام المسؤولية حتى قبل انعقاد العقد، بما يقترب من النظريات الحديثة المعروفة في القانون المقارن بالمسؤولية التقصيرية ما قبل التعاقدية.

ثانياً: توسيع سلطان الإرادة في اختيار القانون الواجب التطبيق

منحت المادة 19 من القانون الجديد الأطراف صلاحية صريحة وواسعة في اختيار القانون الذي يحكم التزاماتهم العقدية شكلاً وموضوعاً، ولم يعد اللجوء إلى قانون الموطن المشترك أو محلّ التنفيذ سوى قاعدة احتياطية في غياب الاتفاق. ويمثّل هذا التوجّه خطوة مهمّة نحو تعزيز مكانة الإمارات بوصفها مركزاً إقليمياً للأعمال، ويمنح الشركات الأجنبية والمحلية مرونةً أكبر في تنظيم علاقاتها العقدية الدولية. ومع ذلك، يتعيّن على المتعاقدين الانتباه إلى حدود النظام العام الإماراتي، إذ يبقى استبعاد القانون المختار قائماً متى تعلّق الأمر بقواعد آمرة لا يجوز الاتفاق على مخالفتها.

ثالثاً: إطار جديد لنظرية التعسف في استعمال الحق

أعاد المشرّع في المادة 106 ضبط نظرية التعسف في استعمال الحق بإطار أكثر وضوحاً وتنظيماً، محدّداً الحالات التي يتحوّل فيها استعمال الحق المشروع إلى تصرّف غير مشروع يستوجب المسؤولية. ويتجلّى ذلك متى قصد صاحب الحق الإضرار بالغير، أو ابتغى تحقيق مصلحة لا تتناسب مع ما يلحق الغير من ضرر، أو ابتغى مصلحة غير مشروعة. ويفتح هذا التوسّع الباب أمام المحاكم الإماراتية لمعالجة سلوكيات تعاقدية وتجارية قد تكون مشروعة في ظاهرها، إلا أنها تنطوي على مكر أو سوء استخدام للسلطة العقدية، كالمماطلة المتعمَّدة في تنفيذ شروط فسخ العقد أو الاستفادة من بنود غامضة بشكل ينحرف عن الغرض الذي أُبرم العقد من أجله.

رابعاً: تحديث قواعد التفسير وضبط ميزان العدالة العقدية

اعتمد القانون منهجاً تفسيرياً يجمع بين الأمانة لإرادة الأطراف الحقيقية والاحتكام إلى مقتضيات العدالة وحسن النية، فلا يقف القاضي عند ظاهر العبارات إذا تبيّن من سياق التعاقد ومسلك الأطراف وعرف المهنة ما يخالفها. كما عُزّز دور القاضي في إعادة التوازن العقدي عند الاختلال الظاهر بين الالتزامات، خاصة في عقود الإذعان والعقود ذات الطابع الاستهلاكي. ولا يعني ذلك إطلاق سلطة القاضي في تعديل العقود، وإنما تأطير تدخّله بمعايير موضوعية تُقاس بمدى انحراف الشرط عن المألوف وعمّا تقتضيه طبيعة التعامل.

خامساً: ما الذي ينبغي على الشركات والمستشارين فعله قبل الأول من يونيو 2026؟

تستوجب هذه المرحلة الانتقالية مراجعة جدّية لمنظومة العقود القائمة والنماذج القانونية المستخدمة. ونوصي بأن تشمل المراجعة على وجه الخصوص: شروط اختيار القانون الواجب التطبيق وآليات تسوية المنازعات، وبنود الإفصاح والإقرارات والضمانات، وأحكام الفسخ والتعويض، وشروط تحديد المسؤولية والإعفاء منها. كما يُستحسن إعادة هيكلة بروتوكولات التفاوض الداخلية بما يضمن توثيق الإفصاحات قبل التعاقد، ويحدّ من مخاطر المسؤولية ما قبل التعاقدية. ولا يُنصح بالاعتماد على الصيغ القديمة دون تحديث، إذ إن نصوصاً قد تكون نافذة وفق قانون 1985 قد تواجه تحدّيات في التطبيق أو التفسير في ظلّ الإطار الجديد.

خاتمة

يُمثّل قانون المعاملات المدنية الجديد انتقالاً نوعياً نحو منظومة قانونية عصرية تتسم بالمرونة وتستجيب لطبيعة الاقتصاد المعاصر، مع المحافظة على المبادئ الأصيلة المستقرة في الفقه القانوني الإماراتي والمصادر التشريعية المقارنة. وفي مكتب محمد العزعزي للمحاماة والاستشارات القانونية، نواكب هذا التحوّل بمراجعة شاملة لعقود عملائنا وتقديم استشارات متخصّصة لضمان توافق المعاملات مع أحكام القانون الجديد قبل الأول من يونيو 2026 وبعده.

هذا المقال يقدَّم لأغراض المعرفة العامة ولا يُعدّ استشارة قانونية. للحصول على رأي قانوني يخصّ حالتكم، يُرجى التواصل مع مكتب محمد العزعزي للمحاماة والاستشارات القانونية.

اترك رد

اكتشاف المزيد من Mohamed Alazazi Advocates & Legal Consultants

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading