Mohamed Alazazi Advocates & Legal Consultants

قانون المعاملات المدنية الجديد وعقود المقاولة: ما الذي تغيّر في أحكام المقاولات اعتباراً من 1 يونيو 2026؟

بعد أكثر من أربعة عقود، تغيّر الأساس التشريعي الذي يحكم أعمال المقاولات في دولة الإمارات. فقد دخل المرسوم بقانون اتحادي رقم 25 لسنة 2025 بإصدار قانون المعاملات المدنية (“القانون الجديد”) حيّز النفاذ في الأول من يونيو 2026، ليحلّ محلّ القانون الاتحادي رقم 5 لسنة 1985 (“القانون السابق”). وبالنسبة لقطاع الإنشاءات، فإن أهم الأحكام هي تلك المنظِّمة لعقد المقاولة، والتي باتت ترد في المواد من 812 إلى 839 من القانون الجديد (بعد أن كانت في المواد من 872 إلى 896). ومن حيث السريان الزمني، تظلّ العقود المبرمة قبل الأول من يونيو 2026 خاضعةً للقانون السابق، بينما تخضع العقود المبرمة في ذلك التاريخ أو بعده لأحكام القانون الجديد. لذا ينبغي على أصحاب الأعمال والمقاولين والاستشاريين والمطوّرين إدراك ما استجدّ قبل توقيع عقودهم المقبلة.

تقنين حقّ ربّ العمل في الفسخ لمحض إرادته

لم يكن القانون السابق ينصّ صراحةً على حقّ ربّ العمل في إنهاء التعاقد مع المقاول لمحض إرادته، وإن كانت محكمة التمييز قد أقرّت هذا الحقّ في أحكامها. وقد جاءت المادة 836 من القانون الجديد لتقنين هذا الحقّ: إذ يجوز لربّ العمل أن يتحلّل من العقد في أيّ وقت قبل إتمام العمل، شريطة أن يعوّض المقاول عمّا أنفقه من نفقات، وعن قيمة ما أنجزه من أعمال، وكذلك عن الكسب الذي كان سيحقّقه لو أتمّ العمل. غير أن للمحكمة سلطة تخفيض التعويض عن الكسب الفائت بما يعكس ما قد يكون المقاول قد وفّره نتيجة تحلّله المبكّر من العقد، أو ما حقّقه من ربح بقيامه بأعمال بديلة. ومن ثمّ يتعيّن على المقاول الاحتفاظ بمستندات واضحة لنفقاته ونسب إنجازه، كما ينبغي لربّ العمل أن يدرك أن للفسخ لمحض الإرادة ثمناً حقيقياً قابلاً للتقدير.

إطار أوضح للشرط الجزائي (التعويض الاتفاقي)

تُعدّ غرامات التأخير والتعويض المتّفق عليه مسبقاً من صميم عقود المقاولة. وتؤكّد المادة 340 من القانون الجديد (التي تقابل المادة 390 سابقاً) جواز اتفاق الطرفين على تقدير التعويض مقدّماً، لكنها تُهذّب سلطة المحكمة في تعديله. فبموجب الفقرتين (2) و(3) من المادة 340، يجوز للمحكمة تخفيض المبلغ المتّفق عليه إذا أثبت المدين أنه مبالغ فيه، أو أنه يجاوز الضرر الفعلي مع مراعاة ما تمّ تنفيذه من العمل، أو إذا أسهم الدائن في وقوع الضرر أو في زيادته. وفي المقابل، لا تجيز الفقرة (4) من المادة 340 للدائن المطالبة بأكثر من المبلغ المتّفق عليه إلا بإثبات الغشّ أو الخطأ الجسيم، وهو معيار مرتفع عن قصد. ويبقى تنبيه مهمّ: استقرّ قضاء التمييز على أن الشرط الجزائي لا يجوز التمسّك به – كقاعدة عامة – بعد فسخ العقد، فيقع على ربّ العمل عبء إثبات الضرر الفعلي؛ وهذا التوجّه لم يُقنَّن وما زال خاضعاً لتقدير المحاكم.

المقاولة بسعر إجمالي والإغاثة عند الظروف الاستثنائية

تُسنَد كثير من المشاريع في الدولة على أساس السعر الإجمالي (المقطوع). وتؤكّد المادة 829 (التي تقابل المادة 887 سابقاً) أن المقاول في عقد المقاولة بسعر إجمالي لا يستحقّ زيادةً في الأجر مقابل التغيير أو الزيادة في نطاق الأعمال إلا باتفاق الطرفين، إلا أنها أضافت استحقاقاً للمقاول متى كان التغيير راجعاً إلى خطأ ربّ العمل. والأهمّ من ذلك أن الفقرة (3) من المادة 829 خوّلت المحكمة – عند طروء ظروف عامة استثنائية لم يكن في الوسع توقّعها وقت التعاقد وتزعزع الأساس الذي قام عليه العقد – أن تعيد التوازن بين الطرفين، بمدّ مدة التنفيذ أو بزيادة الأجر أو إنقاصه أو حتى فسخ العقد. وقد تكون هذه الإغاثة التشريعية ذات قيمة كبيرة في حال وقوع جائحة جديدة أو تضخّم حادّ في التكاليف.

التزام جديد بالإخطار

استحدث القانون الجديد كذلك التزاماً أوضح بالإخطار. فبموجب الفقرة (3) من المادة 816، يجب على المقاول أن يُخطر ربّ العمل فوراً بأيّ حدث أو ظرف من شأنه أن يعوق حسن تنفيذ الأعمال؛ فإن أخلّ بذلك تحمّل ما يترتّب على هذا الإخلال من نتائج. وعملاً، قد يفقد المقاول الذي لا يبادر بالإخطار في الوقت المناسب حقّه في تمديد المدة أو في التكلفة الإضافية، أو يصبح مسؤولاً بالتعويض. ولم يحدّد القانون مفهوم الإخطار «المناسب»، ومن ثمّ سيتولّى القضاء بلورته، الأمر الذي يجعل الإخطار المنضبط والمعاصر للحدث أكثر أهمية من أيّ وقت مضى.

الإبقاء على الضمان العشري مع تهذيبه

يبقى الضمان العشري – وهو حجر الزاوية في حماية قانون البناء الإماراتي – قائماً في ظلّ القانون الجديد. فالمادة 821 (التي تقابل المادة 880 سابقاً) تُقرّر مسؤولية المقاول والمهندس المشرف بالتضامن لمدة عشر سنوات من تاريخ التسلّم عن أيّ تهدّم كلّي أو جزئي، وعن كلّ عيب يهدّد متانة البناء أو سلامته. وهي مسؤولية موضوعية لا ترتفع بإثبات انتفاء الخطأ: إذ تقوم حتى لو كان العيب ناشئاً عن عيب في الأرض ذاتها، وحتى لو كان ربّ العمل قد رضي بإقامة المنشأ. وتقصر المادة 822 مسؤولية المهندس الذي اقتصر دوره على وضع التصميم على عيوب التصميم وحدها، فيما تُبطل المادة 823 كلّ اتفاق يقضي بإعفاء المقاول والمهندس من الضمان أو الحدّ منه. كما أوضح القانون الجديد بقاء حقّ المقاول في الرجوع على مقاوليه من الباطن ومورّديه، مع تأكيد أن معيار الضمان العشري المشدّد لا يحكم دعوى الرجوع تلك.

خلاصات عملية

ثمّة فكرتان تتخلّلان أحكام المقاولة الجديدة. أولاهما أنها تأتي بوضوح محمود، إذ تُقنّن حقوقاً وجزاءات كانت تعتمد سابقاً على أحكام القضاء. والثانية – وهي الأهمّ – أن معظم هذه الأحكام ليست آمرة، بل تسري فقط حيث يسكت العقد؛ فللطرفين أن يوزّعا المخاطر على نحو مختلف، ممّا يجعل جودة الصياغة أهمّ من أيّ وقت مضى. وحتى بالنسبة للعقود المبرمة قبل الأول من يونيو 2026، يُرجَّح أن يؤثّر الإطار الجديد في منطق المحاكم. لذا يُنصَح أصحاب الأعمال والمطوّرون والمقاولون بمراجعة نماذج عقودهم وآليات الدفع والتغيير وإجراءات الإخطار وبنود الفسخ في ضوء أحكام القانون الجديد.

وفي مكتب محمد العزعزي للمحاماة والاستشارات القانونية، نقدّم المشورة لأصحاب الأعمال والمقاولين والاستشاريين في شأن عقود المقاولة ومنازعاتها في مختلف إمارات الدولة. وللحصول على مشورة مخصّصة حول أثر قانون المعاملات المدنية الجديد في مشاريعكم وعقودكم، يسعد فريقنا بتقديم العون.

هذا المقال مُعدّ لأغراض المعلومات العامة فحسب، ولا يُعدّ مشورة قانونية، وينبغي إحالة الحالات الخاصة إلى مستشار قانوني مختصّ.

اترك رد

اكتشاف المزيد من Mohamed Alazazi Advocates & Legal Consultants

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading